ديني

ياشيخ زوجي حلفني

تعرض بعض النساء في اللحظات الأخيرة من حياة أزواجهن لضغط عاطفي ونفسي هائل، حينما يطلب الزوج المريض بدافع الغيرة الشديدة أو الخوف على الأولاد من زوجته أن تضع يدها على المصحف الشريف وتقسم بالله العظيم ألا تتزوج رجلاً غيره بعد رحيله أبداً، فتستجيب الزوجة تحت وطأة الدموع والرحمة بتطييب خاطره، ثم تمر السنوات وتجد الأرملة نفسها وحيدة تحتاج إلى سند وعفة وزوج صالح، لكنها تقف مرتجفة خوفاً من غضب الله وعقابه لأنها حلفت على كتاب الله، فما هو الحكم الشرعي الصحيح في هذه القضية؟

أولاً هل يملك الزوج شرعاً منع زوجته من الزواج بعد رحيله؟

قرر علماء الشريعة الإسلامية بإجماع لا خلاف فيه أن قوامة الزوج وسلطانه على زوجته، وحقه في طاعتها، ينتهي برحيله وانتهاء فترة العدة الشرعية المقررة في القرآن الكريم بأربعة أشهر وعشرة أيام أو بوضع الحمل إن كانت حاملاً.

وبعد انقضاء هذه العدة، تصبح المرأة حرة مالكة لأمر نفسها، وقد نص الله تبارك وتعالى صراحة في سورة البقرة في الآية 234 على أنه بعد انتهاء عدة الرحيل، فلا جناح ولا حرج على النساء فيما فعلن في أنفسهن بالمعروف؛ أي من التزين، وقبول الخطاب، والزواج بمن ترغب فيه من الرجال الصالحين. وبناءً على ذلك، فإن اشتراط الزوج على زوجته ألا تتزوج بعده هو شرط غير لازم شرعاً؛ لأنه يُلزمها بتحريم ما أحل الله لها، وكل شرط ليس في كتاب الله أو يصادم حكماً شرعياً فهو باطل لا يُعمل به.

ثانياً ما حكم الحلف على المصحف بترك أمر مباح كالزواج؟

عندما تضع الزوجة يدها على المصحف وتحلف بالله ألا تتزوج، فإن هذا الفعل ينقسم في ميزان الفقه السني إلى شقين أساسيين

انعقاد اليمين وحرمة المصحف اتفق فقهاء المذاهب الأربعة، كما نقل الإمام ابن قدامة والإمام النووي، على أن الحلف بالمصحف الشريف أو وضع اليد عليه عند القسم هو يمين منعقدة صحيحة؛ لأن المصحف يشتمل على كلام الله عز وجل، وكلام الله صفة من صفاته، فالحالف بالمصحف كالحالف بالله تماماً.

مشروعية كسر اليمين الحنث عند وجود ما هو خير منها يظن كثير من العوام أن من حلف على المصحف ثم خالف يمينه فقد ارتكب كبيرة موبقة تهوي به في النار، وهذا فهم خاطئ تماماً فيما يتعلق بالحلف على ترك المباحات أو الطاعات؛ فقد أرشدنا النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث المتفق عليه في صحيحي البخاري ومسلم إلى قاعدة ذهبية، وهي أن من حلف على يمين، فرأى غيرها خيراً منها، فليأتِ الذي هو خير، وليُكفّر عن يمينه.

وقد عاتب الله عز وجل في مطلع سورة التحريم من يحرّم على نفسه ما أحل الله له، وشرع للأمة تحلّة الأيمان أي الكفارة التي تحل عقدة اليمين. فإذا رأت المرأة الأرملة أن في زواجها برجل صالح خيراً لدينها، وحفظاً لعفتها، وإعانة لها على نوائب الدهر، فإن الشريعة الإسلامية تأمرها وتندبها إلى الزواج، ولا إثم عليها مطلقاً، ولا يعاقبها الله عز وجل، بل تؤجر على طلب العفة والحلال.

ثالثاً كيف تتخلص الزوجة من عهدة هذا اليمين؟ تفاصيل الكفارة

إذا قررت الأرملة الزواج، فإن يمينها تنكسر بمجرد عقد القران أو الدخول حسب صيغة نيتها وقت الحلف، وكل ما يجب عليها شرعاً لإبراء ذمتها أمام الله تعالى هو إخراج كفارة يمين واحدة، حتى لو كانت قد كررت اللفظ في نفس المجلس، وقد حدد القرآن الكريم هذه الكفارة في سورة المائدة في الآية 89 على الترتيب والتخيير الآتي

المرتبة الأولى على التخيير تختار المرأة واحداً من هذه الأمور الثلاثة

إطعام عشرة مساكين من أوسط ما تطعم منه أهل بيتها، سواء بتقديم وجبات جاهزة مشبعة لعشرة فقراء، أو إعطائهم مواد غذائية جافة كالأرز والدقيق واللحم، وأجاز الحنفية ودار الإفتاء المصرية إخراج قيمة الإطعام نقداً للفقراء إذا كان ذلك أنفع لهم في سد حاجاتهم.

أو كسوة عشرة مساكين بإعطاء كل مسكين ثوباً يصلح لصلاته وستره.

أو تحرير رقبة وهو غير موجود في عصرنا.

المرتبة الثانية عند العجز المالي فقط إذا كانت المرأة فقيرة لا تملك ثمن إطعام عشرة مساكين أو كسوتهم فاضلاً عن نفقتها الأساسية، فهنا فقط تنتقل إلى صيام ثلاثة أيام، ولا يجزئ الصيام مع القدرة المالية على الإطعام عند جمهور العلماء.

رابعاً هل يتأذى الزوج الراحل في قبره إذا تزوجت زوجته؟

من الشبهات العاطفية التي تقيد كثيراً من الأرامل الاعتقاد بأن زواجها بعد رحيل زوجها يُعد خيانة لذكراه أو يسبب له العذاب والحزن في قبره؛ والحقيقة الشرعية السنية تؤكد أن الراحل في عالم البرزخ ينشغل بما قَدم عليه من حساب ونعيم أو غيره عن تفاصيل الدنيا المباحة، وقد تزوج كبار الصحابة والصحابيات بعد رحيل أزواجهم، بل تزوجت أسماء بنت عميس رضي الله عنها بثلاثة من كبار المبشرين والصحابة الكرام على التوالي بعد رحيل كل منهم جعفر بن أبي طالب، ثم أبو بكر الصديق، ثم علي بن أبي طالب رضي الله عنهم أجمعين ولم يعدّ أحد من سلف الأمة ذلك خيانة أو عقوقاً للزوج الأول.

المصادر والمراجع السنية المعتمدة

القرآن الكريم سورة البقرة الآية 234، سورة المائدة الآية 89، سورة التحريم الآيتان 1 2.

صحيح البخاري وصحيح مسلم كتاب الأيمان والنذور حديث من حلف على يمين فرأى غيرها خيراً منها فليأت الذي هو خير وليكفر عن يمينه.

كتاب المنهاج شرح صحيح مسلم بن الحجاج للإمام يحيى بن شرف النووي باب ندب من حلف يميناً فرأى غيرها خيراً منها أن يأتي الذي هو خير.

كتاب المغني لابن قدامة المقدسي باب جامع الأيمان وحكم الحلف بالمصحف وكلام الله عز وجل

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

Back to top button