منوعات

18 طبيبًا فشلوا… وطفل فقير اكتشف السر في حلق ابن الملياردير!

ما هذا بحق العالم لا أصدق أنه استطاع إخراجها. هذا مستحيل. مرت دقائق. لم يتكلم أحد. كان الصوت الوحيد هو صفير جهاز مراقبة القلب المنتظم. ثم أمال جايلن رأسه قليلا. اقترب أكثر. تضايقت عيناه وهو يدقق النظر.
هناك همس. ماذا تقدمت الدكتورة مونرو خطوة للأمام. ماذا رأيت أشار جايلن إلى حلق إليوت. هناك خطب ما في ذلك الموضع.

طريقة حركة حلقه عندما تساعده الآلة على التنفس ليست سلسة. هناك نتوء صغير تردد بسيط كأن شيئا يقف في الطريق.
قطبت الدكتورة مونرو حاجبيها.
لقد فحصنا حلقه مرات عديدة. أجرينا تنظيرا وصور أشعة وكل شيء.
لكن هل فحصتم هناك تحديدا أشار جايلن بدقة أكبر.
هناك عند موضع انحناء الحلق حيث يصعب على الكاميرا أن ترى جيدا.
تبادل الأطباء النظرات.
وفجأة صړخت الآلة.
بدأت كل شاشات العناية المركزة تومض بالأحمر. انطلقت صفارات الإنذار تشق الهواء كألف صوت يبكي في وقت واحد. ركضت الممرضات متزاحمات وأصوات أحذيتهن تصفر فوق الأرضية البيضاء الباردة.
وفي قلب كل هذا الجنون وقف طفل صغير.
كان في العاشرة من عمره. أكمام ثيابه ممزقة. وحذاؤه مثقوب. لا ينتمي إلى هذا المكان الذي لا يدخله عادة إلا الأثرياء والأطباء المشهورون. لكن عينيه كانتا ثابتتين على السرير على الطفل الراقد هناك بلا حركة يتنفس بصعوبة بالكاد.
ثمانية عشر طبيبا فشلوا.
ثمانية عشر من أفضل العقول الطبية في العالم نظروا إلى هذا الطفل المحتضر ثم انسحبوا بلا إجابة وبوجوه مشوشة.
وقف الأب الملياردير في الزاوية ووجهه مبلل بالدموع. بدلته الفاخرة متجعدة وشعره المرتب عادة صار فوضى. كان قد عرض مئة مليون دولار لمن ينقذ ابنه ولم يستطع أحد حتى الآن.
اقترب الطفل الفقير خطوة من السرير.
راقبه الجميع. لم يمنعه أحد. ربما لأنهم كانوا مرهقين جدا. ربما لأنهم استسلموا. وربما لأن شيئا في أعماقهم كان ما يزال يتشبث بمعجزة.
انحنى الطفل. فتح فم الصبي المحتضر. ثم وبأصابع ثابتة أدخل يده إلى الداخل وأخرج شيئا صغيرا شيئا جعل كل طبيب في الغرفة يلهث من الصدمة.
لنعد إلى صباح الثلاثاء الماطر قبل ثلاثة أسابيع حين استيقظ رجل اسمه فنسنت أشفورد وهو يعتقد أن حياته كاملة. وكان مخطئا.
كان فنسنت أشفورد واحدا من أغنى رجال أمريكا. شركته تبني مستشفيات. مؤسسته تمول مدارس. وجهه يظهر على أغلفة المجلات وتحت صورته كلمات مثل صاحب رؤية وعبقري. كان يعيش في منزل ضخم حتى إن له اسما خاصا.
قصر أشفورد كان قائما على تل يطل على مدينة تشارلستون في ساوث كارولاينا. سبعة وأربعون غرفة ومسبح يبدو كأنه بحيرة وحدائق تمتد أبعد مما يستطيع معظم الناس قطعه في ساعة.
كان فنسنت يملك كل ما يشتريه المال لكن الشيء الذي أحبه أكثر من كل شيء لم يكن يشترى. ابنه إليوت أشفورد.
كان إليوت في الثانية عشرة. لديه شعر أبيه الداكن وعينا أمه الطيبتان. ذكي مرح رقيق القلب. لم يتباه يوما بثراء عائلته. ولم يعامل أحدا كأنه أقل شأنا منه.
كل صباح كان فنسنت يتناول الإفطار مع إليوت قبل أن يذهب إلى العمل. يتحدثان عن المدرسة عن الكتب عن الأحلام. وذلك الثلاثاء الماطر لم يكن مختلفا.
قال إليوت وهو يحرك بيضه المخفوق في الطبق
أبي هل يمكنني أن أسألك شيئا
رفع فنسنت نظره من الجريدة.
أي شيء.
لماذا بعض الأطفال بلا بيوت
فوجئ فنسنت. أنزل الجريدة.
ماذا تقصد
رأيتهم أمس. عندما مررنا بوسط المدينة كان هناك أطفال يقفون خارج تلك الكنيسة القديمة. كانوا يبدون بردى وجوعى.
صار صوت إليوت أهدأ.
كانوا يبدون كأن لا أحد يهتم بهم.
شعر فنسنت بشيء يلتف في صدره.
نعم لقد رآهم هو أيضا. رآهم مرات كثيرة لكنه كان دائما يدير نظره بعيدا.
الأمر معقد يا بني.
هذه هي العبارة التي يقولها الكبار عندما لا يريدون الإجابة.
فتح فنسنت فمه لكنه لم يجد كلمات. كان ابنه محقا. كان أسهل أن يسمي الأشياء معقدة من أن يفعل شيئا حقيقيا.
قال إليوت
ربما يمكننا مساعدتهم. نحن نملك الكثير وهم يملكون القليل. ألا يعني ذلك أننا ينبغي أن نشارك
قبل أن يجيب فنسنت اهتز هاتفه. اجتماع اجتماع مهم مال يكسب صفقات توقع.
سنتحدث عن هذا لاحقا قال وهو ينهض ويقبل إليوت على جبينه.
أعدك.
لكن لاحقا لم يأت أبدا.
لأن بعد ثلاث ساعات من ذلك الإفطار تلقى فنسنت اتصالا حطم عالمه بالكامل.
انهار إليوت في المدرسة.
وعندما وصل فنسنت إلى المستشفى كان ابنه بالفعل في غرفة الطوارئ. الأطباء يحيطون به والآلات تصدر صفيرا والأنابيب والأسلاك متصلة بجسده الصغير وكأنه آلة مکسورة.
ماذا حدث صړخ فنسنت. صوته يرتجف. يداه ترتعشان.
ما خطب ابني
تبادل الأطباء نظرات تلك النظرات التي تعني أنهم لا يعرفون. النظرات التي تقول هذا سيئ.
قال الطبيب المسؤول
لقد انهار فجأة. بلا أي إنذار بلا تاريخ مرضي دقيقة كان بخير ثم صار على الأرض.
أصلحوه صړخ فنسنت.
لا يهم كم سيكلف. أصلحوه.
لكن الأيام مرت ولم يتحسن إليوت.
بل ساء.
لم يعد يأكل. لم يعد يتكلم. بالكاد يفتح عينيه. صار جلده شاحبا ثم رماديا. تنفسه صار سطحيا كأن كل نفس قد يكون الأخير.
استقدم فنسنت اختصاصيين من نيويورك ومن لوس أنجلس ومن لندن وطوكيو ومن كل مكان.
فحص كل واحد منهم إليوت. أجرى كل واحد اختبارات. هز كل واحد رأسه وقال الكلمات نفسها الكلمات الرهيبة
لا نعرف ما الذي يسبب هذا.
كان فنسنت أشفورد قد قضى حياته كلها في حل المشكلات.
بنى إمبراطوريته لأنه كان أذكى وأسرع وأكثر إصرارا من الجميع.
لكن هذه المشكلة لم تحل بالمال ولا بالنفوذ ولا بالإصرار.
ابنه كان ېموت ولا أحد يعرف السبب.
وفي تلك العتمة اتخذ فنسنت قرارا سيغير كل شيء. ليس لأنه كان يعلم أنه سيغيره بل لأنه كان يائسا.
قرر أن يذهب إلى المكان الذي كان قلب ابنه فيه قبل أن ينهار كل شيء الكنيسة القديمة في وسط المدينة تلك التي رأى عندها الأطفال بلا مأوى.
لم يكن يعرف لماذا يذهب. ربما بحثا عن إجابات. ربما بحثا عن سکينة. ربما لأنه أراد للحظة أن يرى العالم بعيني ابنه.
كانت الكنيسة أصغر مما تذكر. طلاءها متقشر. نوافذها متشققة. لكن داخلها كان دافئا ونظيفا وممتلئا بشيء نسي فنسنت أنه موجود
الأمل.
كانت امرأة مسنة تقف في المقدمة توزع شطائر على صف من الأطفال. شعرها أبيض كالثلج. وجهها مليء بالتجاعيد كأنه خريطة سنوات طويلة لكن عينيها كانتا تلمعان بنور جعل فنسنت يتوقف.
قالت له
تبدو تائها.
قال بصدق لم ينطقه منذ أسابيع
أنا تائه.
ابتسمت.
إذن جئت إلى المكان الصحيح.
كان اسمها الجدة روث.
هذا ما كان الجميع ينادونها به رغم أنها لم تكن جدة لأحد منهم پالدم.
كانت تدير هذا الملجأ منذ اثنين وثلاثين عاما. أطعمت آلاف الأطفال الجائعين. واحتضنت آلاف الباكين. وآمنت بآلاف المنسيين.
ومن بين هؤلاء جميعا كان هناك طفل واحد يختلف عن الآخرين.
اسمه جايلن. عمره عشر سنوات. لا أم لا أب لا عائلة على الإطلاق.
عثر عليه وهو رضيع ملفوف ببطانية رقيقة ترك على درج هذه الكنيسة نفسها. ربته الجدة روث كأنه ابنها.
وكان جايلن مختلفا.
ليس بشكل سيئ بل بشكل يصعب شرحه.
كان يلاحظ أشياء صغيرة لا يلاحظها الآخرون كيف يميل الطائر رأسه قبل أن يطير كيف لا تتطابق ابتسامة شخص مع عينيه كيف ترتد الأصوات عن الجدران في أنماط تحكي قصصا.
اعتبره البعض غريبا. ورآه البعض مميزا.
وكانت الجدة روث

—

تعرف أنه الاثنين معا.
في اليوم الذي دخل فيه فنسنت أشفورد الكنيسة كان جايلن يجلس في الزاوية يقرأ كتابا طبيا تبرع به أحدهم. كان أعلى بكثير من عمره لكنه كان يقرأه على أي حال يتهجى الكلمات الكبيرة ويحاول فهم أسرار الجسد البشري.
رفع عينيه حين مر فنسنت. التقت نظراتهما للحظة ومر بينهما شيء لم يفهمه أي منهما بعد.
تحدث فنسنت مع الجدة روث ساعة كاملة. أخبرها عن إليوت عن مرضه عن الأطباء الذين فشلوا عن الأمل الذي يتسرب من بين يديه.
استمعت روث دون أن تقاطعه.
وعندما انتهى أمسكت يديه بيديها.
قالت
ابنك يبدو روحا جميلة والروح الجميلة تجد طريقها حتى في أحلك الغابات.
أراد فنسنت أن يصدقها. أراد أن يصدق بالمعجزات والأمل وكل ما توقف عن الإيمان به منذ زمن. لكنه لم يستطع.
قال وهو ينهض
ينبغي أن أذهب. شكرا لأنك استمعت.
وعندما اتجه إلى الباب أوقفه صوت صغير.
عذرا يا سيدي.
استدار فنسنت. كان الطفل الذي في الزاوية صاحب الكتاب الطبي.
نعم
أخذ جايلن نفسا عميقا.
سمعتكم تتحدثون عن ابنكم وعن أن الأطباء لا يعرفون ما به.
قطب فنسنت حاجبيه.
كنت تستمع
لم أقصد. الصوت ينتقل هنا قال جايلن وهو ينظر إلى قدميه.
أردت فقط أن أقول أنا آسف. آسف لأن ابنك مريض. أتمنى أن يتحسن.
صدق الطفل لمس شيئا عميقا داخل فنسنت.
جثا فنسنت حتى صار بمستوى عيني جايلن.
شكرا قال.
هذا يعني أكثر مما تتخيل.
هز جايلن رأسه ثم قال بهدوء شديد كلمات لم يفهمها فنسنت إلا لاحقا
أحيانا تكون الإجابة مختبئة في المكان الذي لا يفكر أحد أن يبحث فيه.
نظر فنسنت إليه طويلا ثم نهض وخرج من الكنيسة وقاد سيارته إلى المستشفى.
لم يفكر بكلمات جايلن في تلك اللحظة لكنه سيفعل. لأن في تلك الليلة نفسها حدث شيء جعل الجميع يدركون مدى اليأس الذي وصلوا إليه.
اتصلت المستشفى في الساعة الثالثة وسبع وأربعين دقيقة فجرا.
أجاب فنسنت من أول رنة. كان قد توقف عن النوم. لا يستطيع أن ينام. كلما أغلق عينيه رأى وجه إليوت يبهت أكثر.
قال الطبيب بصوت مرتجف
سيد أشفورد عليك أن تأتي حالا.
ماذا حدث
صمت أسوأ أنواع الصمت.
ابنك توقف عن التنفس.
ركض فنسنت كأنه لم يركض في حياته. ضړبت أحذيته الفاخرة أرضية المستشفى. احټرقت رئتاه. دق قلبه حتى سمعه في أذنيه.
قفزت الممرضات بعيدا عن طريقه ولم يحاول رجال الأمن منعه. الجميع يعرف من هو ويعرف لماذا يركض.
اندفع إلى وحدة العناية المركزة وهناك كان إليوت محاطا بالأطباء والآلات أنبوب في حلقه وممرضة تضغط على صدره.
صړخ أحدهم
ابتعدوا!
ارتج جسد إليوت الصغير مع صدمة كهربائية.
انهار فنسنت على الحائط. لم تعد قدماه تحملانه. انزلق إلى الأرض وهو يرى غرباء يقاتلون ليعيدوا ابنه للحياة.
مرة أخرى
ابتعدوا!
صدمة أخرى.
ثم لحظة سكون مرعبة.
ثم صفير واحد جميل على جهاز القلب.
ثم آخر ثم آخر.
كان إليوت حيا.
بصعوبة لكنه حي.
اقترب الطبيب المسؤول رجل يدعى الدكتور باترسون من فنسنت. وجهه رمادي من الإرهاق. يداه ترتجفان.
قال بهدوء
أعدناه لكن يا سيد أشفورد يجب أن أكون صريحا. لا يمكننا الاستمرار هكذا. أيا كان ما يهاجم جسده فهو يشتد ونحن لا نعرف ما هو.
رفع فنسنت رأسه.
إذن اعرفوه.
قال باترسون وصوته يتشقق
لقد جربنا كل شيء. كل اختبار كل تصوير كل إجراء معروف في الطب الحديث. أنا طبيب منذ واحد وثلاثين عاما ولم أر شيئا كهذا.
لا بد أن هناك شيئا تفوتونه.
لم يرد باترسون. اكتفى بالنظر إلى سرير إليوت بعينين حزينتين.
في تلك الليلة لم يغادر فنسنت المستشفى.
أحضر كرسيا وجلس قرب سرير ابنه وأمسك يده الباردة. أخذ يتحدث إليه رغم أنه لا يجيب. حكى له عن أيام طفولته
عن خطواته الأولى عن كلماته الأولى.
قال بابتسامة مکسورة
قلت بيانات قبل أن تقول ماما.
لم يتحرك إليوت. كانت الآلات تتنفس عنه. وكانت الشاشات تراقب نبضه المتلاشي.
خفض فنسنت رأسه وفعل شيئا لم يفعله منذ طفولته.
صلى.
قال في الظلام
رجاء لا تأخذه مني. إنه كل ما لدي. إنه كل ما فعلته خيرا في هذه الدنيا. رجاء.
استمرت الآلات في الصفير ولم يأت جواب.
طلع الصباح رماديا باردا. لم ينم فنسنت. احمرت عيناه. صارت بدلته غير قابلة للإصلاح من كثرة التجعد. بدا كأنه شاخ عشر سنوات في ليلة واحدة.
طرقت الباب طرقات خفيفة. رفع فنسنت رأسه فرأى الدكتور باترسون واقفا ومعه امرأة لم يعرفها.
قال باترسون
سيد أشفورد هذه الدكتورة إيفلين مونرو. اختصاصية في الأمراض النادرة. وصلت من عيادة مايو هذا الصباح.
كانت الدكتورة مونرو طويلة القامة حادة النظرات وفي شعرها خصلات فضية بين السواد. بدت كمن رأى أشياء مستحيلة كثيرة ورفض الاستسلام لأي منها.
قالت
هل تسمح لي بفحص ابنك
أومأ فنسنت. كان سيترك أي أحد يفحص إليوت في هذه اللحظة. سيجرب أي شيء.
قضت الدكتورة مونرو ساعتين مع إليوت. فحصت أمورا لم يفكر بها الآخرون. سألت أسئلة لم يسألها أحد. قرأت كل صفحة من ملفه الطبي.
ثم جلست قبالة فنسنت.
قالت ببطء
لدي نظرية لكن أريدك أن تفهم أنها مجرد نظرية.
قل لي.
قالت وهي تختار كلماتها
جسد ابنك يتوقف لكن ليس بسبب مرض ليس بالمعنى التقليدي. هناك شيء يعيق مجرى الهواء ليس انسدادا كاملا بل جزئيا يكفي ليخفض الأكسجين ببطء مع الوقت. وهو دقيق إلى درجة أن الفحوص المعتادة قد لا تلتقطه.
انحنى فنسنت للأمام.
ما الذي يعيق مجرى الهواء
لا أعرف بعد. لا يظهر في الأشعة ولا في التصوير المقطعي. ربما صغير جدا أو في موضع لا تستطيع الأجهزة التقاطه.
إذن ماذا نفعل
صمتت لحظة ثم قالت
نواصل البحث. نجرب زوايا مختلفة وتقنيات مختلفة. لا نستسلم.
شعر فنسنت بشيء لم يشعر به منذ أيام شرارة أمل صغيرة.
خلال الأسبوعين التاليين قادت الدكتورة مونرو فريقا من سبعة عشر اختصاصيا إضافيا. جاءوا من أنحاء البلاد والعالم. كل واحد خبير في مجاله وكل واحد واثق أنه سيحل اللغز ثم يفشل.
وبقي الشيء المختبئ إن كان موجودا بلا اكتشاف وظل إليوت يضعف.
لم يعد فنسنت يغادر المستشفى. توقف عن العمل. توقف عن المكالمات. إمبراطوريته التي تساوي مليارات كانت تعمل وحدها وهو لم يعد يهتم. لا شيء يهم سوى الطفل في ذلك السرير.
وفي إحدى الأمسيات وقف فنسنت عند نافذة غرفة إليوت يتأمل أضواء المدينة. انعكاسه في الزجاج حدق به. بالكاد تعرف على نفسه.
سمع صوتا عند الباب
سيد أشفورد.
كانت ممرضة شابة ربما في الخامسة والعشرين بوجه لطيف.
هناك من يريد رؤيتك. تقول إنها من الكنيسة في وسط المدينة.
استدار فنسنت.
الجدة روث
قالت الممرضة
لم تقل اسمها لكنها جاءت مع طفل.
للحظة لم يفهم فنسنت لماذا تأتي روث. التقيا مرة واحدة. ولم يفكر بالكنيسة منذ ذلك اليوم. لكن شيئا داخله قال له أن يذهب إلى غرفة الانتظار شيء لا يستطيع تفسيره.
وجد الجدة روث جالسة على كرسي بلاستيكي يداها متشابكتان في حضنها. بجانبها جلس جايلن طفل الكتاب الطبي.
كان جايلن متوترا. عيناه تتنقلان في المستشفى كأنه يتوقع من يطرده. وربما كان محقا. مركز أشفورد الطبي كان أفخم مستشفى في الولاية. رخام ولوحات فنية وفخامة. ليس مكانا لأطفال بثياب ممزقة وأحذية مثقوبة.
لكن الجدة روث جلست بثبات كأنها صاحبة المكان كأن من حقها أن تكون هنا.
قالت وهي تنهض
سيد أشفورد شكرا لأنك استقبلتنا.
سألها فنسنت
كيف عرفتما أنني هنا
ابتسمت بأسى
المدينة كلها تعرف. مرض ابنك في الأخبار كل يوم. ونحن كنا

—

ندعو له.
شد فنسنت على شفتيه.
شكرا لكنني لم أعد متأكدا أن الدعاء وحده يكفي.
ربما لا قالت روث بهدوء ثم وضعت يدها على كتف جايلن.
لهذا أحضرته.
نظر فنسنت إلى الطفل. كان يمسك الكتاب الطبي على صدره كدرع.
قال فنسنت
لا أفهم.
ابتسمت روث ابتسامة لطيفة.
لجايلن موهبة. يرى ما يفوته الآخرون. منذ كان صغيرا. أعلم أن هذا يبدو غريبا لكنني تعلمت أن أثق به.
تجمد فنسنت.
ابنه ېموت وثمانية عشر طبيبا مشهورا لم ينقذوه وهي تريد من طفل في العاشرة أن يلقي نظرة
قال فنسنت بقدر من التماسك
مع كامل احترامي لا أظن أن هذا مناسب.
قالت روث بثبات
أفهم شكك. لكنكم جربتم كل شيء. ماذا ستخسر
ظل السؤال معلقا في الهواء.
أراد فنسنت أن يقول لا. أن يعود إلى المختصين أصحاب الشهادات اللامعة لكن هؤلاء فشلوا جميعا.
وتذكر فنسنت كلمات جايلن في الكنيسة
أحيانا تكون الإجابة مختبئة حيث لا يفكر أحد أن يبحث.
قال أخيرا
حسنا لبضع دقائق فقط. وعلى الأطباء أن يبقوا في الغرفة.
أومأت روث
هذا كل ما نطلبه.
دخلوا غرفة إليوت. كانت الدكتورة مونرو والدكتور باترسون هناك يراجعان نتائج الفحوص. بدت عليهما الدهشة لرؤية امرأة مسنة وطفل يدخلان مع فنسنت.
قال فنسنت بتردد
هذه الجدة روث وهذا جايلن. من الكنيسة. أرادا الزيارة.
رفعت الدكتورة مونرو حاجبا لكنها لم تقل شيئا. أما باترسون فكان مرهقا لدرجة أنه لم يهتم.
وقف جايلن عند الباب متجمدا. عيناه على إليوت على الأنابيب والأسلاك والآلات.
همست روث
لا بأس افعل ما تفعله دائما. انظر.
خطا جايلن خطوة ثم أخرى. ببطء بحذر كأنه يقترب من كائن جريح. توقف عند حافة السرير وحدق في إليوت.
ليس كما ينظر الأطباء لا إلى الرسوم والملفات بل كأنه يسمع قصة لا يسمعها سواه.
مرت دقائق. لا أحد يتكلم. فقط صفير جهاز القلب.
ثم مال جايلن رأسه اقترب أكثر ضاقت عيناه.
هناك همس.
ماذا تقدمت الدكتورة مونرو.
ماذا رأيت
أشار جايلن إلى حلق إليوت وكرر
هناك شيء غير طبيعي حركة حلقه مع جهاز التنفس فيها نتوء تردد كأن شيئا يعيق.
قالت مونرو
لكننا فحصناه مرارا بالمنظار وبالأشعة
قال جايلن
لكن هل فحصتم هناك
وأشار إلى موضع محدد.
هناك عند انحناء الحلق حيث يصعب على الكاميرا الرؤية.
قال باترسون ببطء
نظرنا لتلك المنطقة لكن ربما ليس بالعمق الذي ينبغي.
لم يجادل جايلن. بقي صامتا وإصبعه ثابت على الموضع.
حدقت الدكتورة مونرو في الطفل طويلا. ثم اتخذت قرارا.
قالت لباترسون
جهزوا لتنظير آخر. هذه المرة أريد تفقد كل زاوية وكل انحناء وكل ظل.
قال باترسون بدهشة
هل أنت جادة لأن طفلا قال لك ذلك
نظرت مونرو إلى جايلن إلى ثيابه البالية إلى حذائه القديم إلى الكتاب الطبي في يده.
وقالت
أنا جادة لأننا جربنا كل شيء آخر. ولأن العيون الجديدة ترى ما تفوته العيون المتعبة.
حددوا الإجراء للصباح لكن إليوت لم يكن يملك حتى الصباح.
عند الثانية وثلاث وثلاثين دقيقة فجرا انطلقت الإنذارات من جديد. هبط الأكسجين إلى مستوى حرج. صار نبض قلبه مضطربا. بدأ جسده ينهار.
هذه المرة لم يستطع الأطباء تثبيته. هذه المرة لم تكن الأجهزة كافية.
اتخذت الدكتورة مونرو قرارا طارئا. استدعت فريقها. وأمرت بالتنظير فورا في الغرفة نفسها.
وقف فنسنت في الزاوية يضع يديه على فمه يراقب وهم يدخلون كاميرا دقيقة في حلق ابنه.
وكان جايلن هناك أيضا. الجدة روث رفضت المغادرة عندما انطلقت الإنذارات. حاول الأمن إخراجهما لكن فنسنت أوقفهم.
قال
دعوهم يبقون.
لم يعرف لماذا لكنه شعر أنه الصواب.
وقف جايلن إلى جواره يحدق في الشاشة التي تظهر ما تراه الكاميرا.
تحركت الكاميرا داخل حلق إليوت مرت بالمناطق التي فحصوها سابقا ثم أعمق ثم أبعد وفجأة شهق جايلن.
توقف! قال.
ارجعوا قليلا هل رأيتم ذلك
أوقفت الدكتورة مونرو الكاميرا ثم أعادتها قليلا وهناك ظهر الشيء.
جسم صغير جدا عالق في طية من النسيج مخبأ بدقة بحيث لم تلتقطه الفحوص السابقة.
لم يكن غريبا أن يفوته ثمانية عشر طبيبا.
همس فنسنت
ما هذا
كبرت مونرو الصورة واتسعت عيناها.
يبدو كقطعة بلاستيك صغيرة ربما من غطاء قلم أو لعبة. إنها عالقة بطريقة تحدث ما يشبه صماما. عند الشهيق تتحرك قليلا وتسمح بمرور بعض الهواء وعند الزفير تعود فتسد جزءا أكبر من المجرى.
قال باترسون بصوت يملؤه الفهم المفاجئ
لهذا كان الأكسجين يهبط ولهذا كان الأمر تدريجيا ولهذا لم نجد السبب.
واصلت مونرو
لا بد أنه استنشقها قبل أسابيع دون أن يدري. لم تسبب مشكلة فورية لكن مع الوقت تورم النسيج حولها فصار الانسداد أسوأ فأأسوأ.
عاد عقل فنسنت إلى الوراء. تذكر إليوت على مكتبه يعض غطاء القلم وهو يفكر. كان ينهاه دائما عن هذه العادة مئات المرات.
والآن لحظة صغيرة مهملة كادت ټقتل ابنه.
قالت مونرو بحزم
علينا استخراجها الآن قبل أن يهبط الأكسجين أكثر.
صارت الدقائق التالية كالساعات. عملت الدكتورة مونرو بيدين ثابتتين ووجهت أدوات دقيقة نحو الجسم المختبئ.
كان جايلن يراقب دون أن يرمش. قبضت يداه على حافة السرير حتى ابيضت مفاصله.
قالت مونرو
اقتربنا اقتربنا.
أمسكت الجسم بأداة جراحية دقيقة وسحبت.
خرج الشيء بصوت رطب خاڤت.
رفعت الدكتورة مونرو القطعة إلى الضوء.
كانت قطعة بلاستيكية زرقاء صغيرة جزءا من غطاء قلم من نوع الأقلام الفاخرة التي يشتريها فنسنت بالعشرات لمكتبه ومن النوع الذي كان إليوت يمضغه دائما.
شيء أصغر من ظفر كاد يسلب حياة ابنه.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

Back to top button